محمد بن علي الشوكاني
3669
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أحاديث كثيرة . فما هو جواب عز الدين عن هذه الأدلة فهو جوابنا لأن مسألة النزاع من خيار الشرط كما قررناه . إذا تقرر هذا عرفت أن البيع المصحوب بتلك الإقالة العرفية التي هي في الحقيقة خيار شرط ، إذا لم يكن المقصود منه التوصل إلى ما حرمه الله من الربا ، أو القرض الذي يجر منفعة صحيح دليلا ومذهبا . فالمبادرة من بعض الحكام إلى القضاء ببطلانه عند دعوى البائع أنه باع أرضه بدون ثمنها رغبة في الالتزام وإقامة الشهادة على أن ذلك الثمن دون القيمة المثلية مجازفة ، لا يقع مثلها من متورع ، ولا يصدر التجاري بالحكم على القطع عندها من متشرع ، لأن القضاء يذلك إن كان تقليدا فمن المقلد ، فإن العلماء من أهل المذهب وغيرهم إنما أبطلوا صورة من الصور التي يقع عليها بيع الرجا عرفا ، والتعميم الموجود في عبارة بعضهم ، إنما هو بالنسبة إلى مواطن تلك الصورة باعتبار اختلاف الجهات والكيفيات ، وإن كان اجتهادا فما المستند ؟ فإنا لم نجد ما يدل على بطلان الصورة والمسؤول عنها ، لا في كتاب الله تعالى ، ولا وفى سنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، ولا في قياس صحيح ، ولا في إجماع ولا قول صاحب ، بل وجدنا ما يدل على صحتها كتابا وسنة وقياسا وإجماعا كما قدمنا تحقيق ذلك . والحاصل أنا لم نؤمر بالبحث عن خفيات الضمائر ، والتفتيش للقلوب عن ما لا سبيل لنا إلى معرفة حقيقته من السرائر ، فإذا توقع التنازع الينا في صورة من الصور التي أذن الشارع بها كصورة السؤال ، فالمتوجه علينا القضاء بصحتها حتى يقوم دليل يوجب علينا الانتقال عن الحكم بصحة هذه الصورة ، لا بمجرد دعوى البائع أن المشتري لا بقصد له بهذا البيع إلا الانتفاع بالغلة في مقابل ذلك الثمن المدفوع منه ، فإن هذه الدعوى مع مخالفتها لما هو الأصل والظاهر ، ولما يجب علينا من تحسين الظن بالمسلمين ، وحمل معاملاتهم على الصحة ، ليست مما تبني على مثلها قناطر الاحكام ، ويفصل بالنظر إليها ما يعرض بين المتخاصمين من الجدال والخصام ، وقد نهينا عن العمل بما لا علم لنا به فيما